تشكل
الدعوى التي رفعتها جمهورية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية
إحدى أبرز القضايا القانونية الدولية المرتبطة بالنزاع في قطاع غزة، نظراً لما
تتضمنه من ادعاءات تتعلق بتطبيق أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية
والمعاقبة عليها لعام 1948، وما تحظى به من اهتمام واسع على المستويين القانوني
والسياسي.
وقد
أقامت جنوب أفريقيا الدعوى أمام محكمة العدل الدولية في 29 كانون الأول/ديسمبر 2023،
متهمةً إسرائيل بانتهاك التزاماتها المنصوص عليها في اتفاقية منع جريمة الإبادة
الجماعية فيما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة. وفي إطار الإجراءات القضائية، قدمت
جنوب أفريقيا مذكرتها القانونية (Memorial) بتاريخ 28 تشرين
الأول/أكتوبر 2024 دعماً لادعاءاتها
وتفصيلاً للأسانيد القانونية والوقائع التي تستند إليها.
وطلبت
المحكمة من إسرائيل تقديم ردها على المذكرة، إلا أن الأخيرة تقدمت بطلبين منفصلين
لتمديد المهلة المقررة، وقد وافقت المحكمة على هذين الطلبين. وفي نهاية المطاف،
قدمت إسرائيل مذكرتها الجوابية (Counter-Memorial) إلى
المحكمة بتاريخ 12 آذار/مارس
2026.
وعقب
إيداع المذكرة الجوابية، أعلنت جنوب أفريقيا أنها ستقوم بدراسة الرد الإسرائيلي
قبل اتخاذ قرار بشأن الخطوة الإجرائية التالية، سواء بطلب الإذن من المحكمة لتقديم
مذكرات كتابية إضافية، أو الانتقال مباشرة إلى المرحلة الشفوية من المرافعات.
ورغم
استمرار الإجراءات القضائية، يرى عدد من المتابعين أن القضية قد تستغرق سنوات قبل
الوصول إلى حكم نهائي، في ضوء طبيعة التقاضي أمام محكمة العدل الدولية وما قد
تشهده الإجراءات من طلبات إضافية لتمديد المهل أو اتخاذ خطوات إجرائية أخرى. كما
أن التقديرات المتداولة بشأن توقيت صدور قرار أولي أو نهائي تبقى مجرد توقعات غير
ملزمة، ولا يمكن اعتبارها مواعيد نهائية، إذ تظل خاضعة لقرارات المحكمة وتطورات
سير الدعوى.
وفي
سياق موازٍ، برز خلال عام 2024 إطلاق المبادرة العالمية لحشد الالتزام السياسي
بالقانون الدولي الإنساني، وهي مبادرة تقودها كل من جنوب أفريقيا، والمملكة
الأردنية الهاشمية، وفرنسا، والبرازيل، وكازاخستان، والصين، بالتعاون مع اللجنة
الدولية للصليب الأحمر، وتهدف إلى تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني، وترسيخ
مبادئ حماية الكرامة الإنسانية، وتشجيع الالتزام باتفاقيات جنيف، والعمل على منع
الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة.
وقد
انضمت إلى هذه المبادرة دول عديدة، ومن المتوقع أن تستضيف العاصمة الأردنية عمّان
أول مؤتمر دولي مخصص لها خلال العام الجاري، في خطوة تعكس الاهتمام الدولي
المتزايد بتعزيز احترام قواعد القانون الدولي الإنساني في ظل تصاعد الأزمات
والنزاعات حول العالم.
ومن
المهم التأكيد أن هذه المبادرة الدولية مستقلة تماماً عن الدعوى المنظورة أمام
محكمة العدل الدولية، ولا ترتبط بالإجراءات القضائية الخاصة بالقضية، رغم اشتراك بعض
الدول في كلا المسارين.
أما
فيما يتعلق بالدعوى القضائية، فقد أعلنت مجموعة من الدول انضمامها إلى الإجراءات
دعماً للموقف القانوني لجنوب أفريقيا، ومن بينها: بلجيكا، والبرازيل، وبوليفيا،
وجزر القمر، وتشيلي، وإيرلندا، وكولومبيا، وكوبا، ومصر، وآيسلندا، وليبيا،
والمكسيك، وجزر المالديف، وناميبيا، وهولندا، ونيكاراغوا، وفلسطين، وإسبانيا،
وتركيا، وذلك وفقاً للإجراءات التي يجيزها النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.
وتبقى
القضية، بما تحمله من أبعاد قانونية وإنسانية ودبلوماسية، محل متابعة دقيقة من
المجتمع الدولي، ليس فقط لارتباطها بتفسير وتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة
الجماعية، وإنما أيضاً لما قد تتركه من آثار على تطور القضاء الدولي، ومستقبل
المساءلة القانونية عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني ويبقى الدور
على الدول الكبرى كاسبانيا للتأثير على مسار القضية و الضغط على جميع الاطراف
لايقاف هذه الكارثة التي لم تحصل في تاريخ البشرية.
وفي ظل استمرار
الإجراءات أمام المحكمة، يظل الحكم النهائي رهناً باستكمال المراحل القضائية كافة،
بينما تتواصل الجهود الدولية، سواء عبر المسار القضائي أو المبادرات الإنسانية
والدبلوماسية، لتعزيز احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين أثناء
النزاعات المسلحة