إصلاح التعليم هو أساس كل إصلاح
كنت أشرت في أكثر من محاضرة، وأكثر من مقال حول موضوع التعليم، بأن دخول التكنولوجيا في حياة الإنسان بهذا القدر الضخم، والمفاجئ، مع نهايات القرن الفائت قد غير الكثير من أنماط حياتنا وتعاملاتنا ونشاطاتنا المختلفة. 
ولكن تأثير ثورة التكنولوجيا كان الأهم، والأشمل، والأعمق، على التعليم، على المدرسة التقليدية، على الجامعة التقليدية، على دور المعلم، وعلى التلميذ في كل مراحل رحلته التعليمية. 
وكنت نبهت إلى ضرورة التكيف مع التغييرات الجذرية التي فاجأتنا دون أن يؤدي أي تأخير لاتساع الفجوة بين الواقع القائم والحرص على إدامته، وبين مدخلات ثورة التكنولوجيا وما ترتب على ذلك من وسائل مختلفة عن كل ما هو تقليدي وقديم. 
مثلاً كان المعلم هو مصدر المعرفة ومصدر المعلومة. كان دوره أن يعرف تلاميذه بما لا يعرفون. كان على المعلم في كل مراحل التعليم، أن يجمع المعلومات المطلوبة من المراجع والكتب وأية مصادر معلومات أخرى لينقلها للطلاب، فيعلمهم ما لا يعلمون، ويوصل لهم ما لا سبيل لديهم للوصول إليه.
أما بدخول الإنترنت فقد تغير كل هذا، وما يزال يتغير بسرعة مذهلة كل ساعة. لم يعد المعلم مصدر المعرفة الوحيد –لا للطالب ولا لغيره. لقد وفرت أجهزة الكومبيوتر، التي أصبحت الآن بحجم علبه السجائر، وتحمل في الجيب، بعد أن كانت في البداية تحتل أبنية كبيرة، وأصبح استخدام هذه الأجهزة في متناول الجميع من مختلف الأعمار، بعد أن كان ذلك مقصورا على الفنيين والخبراء؛ وفرت هذه الأجهزة كنزا لكل أنواع المعلومات بلا استثناء ولا حدود.
أحد نتائج هذا التغيير الكبير أن ما كان متاحا للمعلم، وما كان يميزه عن تلاميذه، أو عن بقية الناس، قد أصبح في متناول الجميع، وفي متناول الأطفال قبل أن يذهبوا للمدرسة. لقد انتقدني كثيرون عندما كنت أنبّه إلى أن الثورة المعلوماتية، إن لم تكن قد ساوت بين الطالب والمعلم في المعرفة، فقد أدت إلى تفوق الطالب على استاذه.
ما زلنا نلهث بعناء وراء استيعاب هذا التغيير الذي لم يشهد العالم مثله. وما زلنا –ليس في بلدنا فقط- بل وفي بلدان كثيرة من العالم نعاني من سلبيات  التخلف. وانتقدني كثيرون عندما قلت أن المدرسة التقليدية ستزول، وأن الجامعة بشكلها التقليدي ستزول، وأن الحاجة للسفر من بلد إلى آخر، مهما كان بعيدا، لطلب العلم، ستنتفي. لماذ؟
لأن العلم بكل مكوناته، وتنوع أبوابه، وتخصصاته، أصبح موجودا في كل بيت، دون تمييز بين غني أو فقير، أو قريب أو بعيد. نتيجة لذلك، أصبح التعليم يأتي إليك أينما كنت. فما عليك إلا أن تجلس في راحة منزلك أمام جهاز الكومبيوتر لتعليم نفسك، دون الحاجة لمواجهة تكاليف السفر والإقامة في بلد آخر.
حتى أوضّح، أنا لا أعني بذلك زوال مهنة المعلّم، ولا زوال مهنة التعليم، ولا زوال الجامعة كمؤسسة تعليمية عريقة، سيظل وجودها أساسا للتقدم العلمي والتطور المعرفي والتقني. ما أعنيه هو أن دور المعلم، ودور المدرس، ودور الجامعة يجب أن يتغير لمواكبة التطور التقني.
صحيح أن جهاز الكمبيوتر الصغير، الذي يغني عن أكبر وأعظم المكتبات، والموسوعات، والكتب، والدوريات التي كان الطالب، كما المعلم، يغرق بين رفوفها بحثا عن أي معلومة؛ صحيح أن هذا الجهاز يفتح لك آفاق المعرفة في مكانك، إلا أن اختيار المعلومة، وتطويعها للغاية المقصودة يثبت دور المعلم كموّجه، وكمنسق، وكمتابع يتيح خبرته المتراكمة للطالب.
من البديهي أن طالب الهندسة، أو طالب الطب، قد يجد المعلومة على جهازه المحمول، ولكن ذلك لا يغنيه عن خبرة من سبقوه في التمحيص وفي اختيار المعلومة الصحيحة والمناسبة لتخصصه، والكفيلة بتوصيله للغاية المرجوّة.
من هنا ندخل من باب التعليم عن بعد، حيث توفر المدرسة، وتوفر الجامعة، وتوفر أي مؤسسة تعليمية أو تدريبية أخرى برامج تعليمية وتدريبية على أجهزة الكمبيوتر لترشدهم لأهدافهم من مواقعهم. إذن يتطور دور الجامعة ولكنه يبقى في حلته الجديدة والمتغيرة باستمرار لمجاراة الاستمرار في تقدم العلم وتطور وسائل المعرفة. 
لهذ السبب قلت في أكثر من مناسبة أن ثورة التكنولوجيا، وما وفرته حتى الآن، وما ستوفره في المستقبل، في موضوع التعليم، وفي كل نشاطات الحياة، وفي التعاملات، وفي خدمة المواطنين بدون التواصل البشري ومراجعة الدوائر، والتعامل مع الورق، قد تلغي الحاجة للمباني الكبيرة وجيوش الموظفين والدوائر الواسعة، بالاستعاضة عن كل ذلك بأعداد قليلة من الفنيين وخبراء التعامل مع أجهزة الكمبيوتر لإنجاز ذلك. ولن يؤدي إلى زيادة البطالة. فكما حدث عبر التاريخ –التطور التقدمي يلغي انماطا من المهن والوظائف ويخلق أفضل منها. 
دعوت، استناداً لذلك لمراجعة قوانين التعليم في بلدنا وعدم اشتراط مساحات واسعة من الأراضي كشرط لترخيص الجامعات – حتى أذكر واحداً فقط من الأمثلة التي تقتضي الضرورة إعادة النظر فيها.
كل ما سبق يركز على الشكل، بينما الأهم هو المضمون. وبذلك أعني أن عملية إصلاح التعليم تتطلب مراجعة مستمرة للتشريعات وللمناهج بحيث يُتيح ذلك المجالات الأوسع لاستشراف آفاق المعرفة، والبعد عن التلقين، والاستعاضة عن ذلك بالتوجيه المرن الذي يوسع الفضاء امام العقل البشري للابتكار والإبداع، وبالتالي المساهمة في العملية التعليمية.  لا يكرّس دور الطالب، في مستويات التعليم المختلفة، على دور المتلقي السلبي. الدور الذي يقيد الفكر ويكبّل العقل. لقد اعطانا الله عقلا بقدرات خارقه لنستخدمه ولنطلق له العنان لمزيد من الابداع والابتكار، لا لنعطله ونجمد إمكاناته المطلقة.    
رسالة التعليم هي رسالة عظيمة؛ وهي أساس الحضارة وقاعدة التقدم لأي مجتمع. أي إصلاح من أي نوع يجب أن يبدأ بإصلاح التعليم؛ التعليم الذي يبني الإنسان، يبني المواطن المسلح بالعلم والمعرفة والحكمة والخلق والنزاهة والمسؤولية والقدرة على أن يكون لبنة صالحة وقوية في مجتمع صحي سليم. من مثل هذا المجتمع تنبثق الإدارات الكفؤة التي تُعنى بشؤون الناس وتدير الأمور بحكمة.
التعليم السليم هو الأساس السليم للديمقراطية والتوازن الاجتماعي، والانضباط واحترام القانون، كما لتفكيك الكثير من العقد والمشاكل المستعصية التي تستشري في ظل الجهل والتخلف والارتباك.