إعادة صقل المهارات في العصر الرقمي
يتطلب اعتماد الصناعات على التقنية تأهيل الموظفين وتدريبهم على المهارات التقنية الحديثة، من أجل الحفاظ على قيمتهم في مكان العمل. ويتناقض هذا بشكل صارخ ما كان عليه الحال قبل 30 عامًا، عندما كانت المصانع على مستوى العالم تتطلب عمالة يدوية رخيصة غير ماهرة. ولكن الأتمتة حلت مكانهم في جميع الصناعات تقريبًا، مما أدى إلى زيادة الكفاءة والإنتاج، وتغيير دور البشر من مجرد الوقوف على خطوط الإنتاج، إلى أداء وظائف أكثر تقدمًا، تشمل تركيب الأنظمة التقنية، ومعايرتها، وتشغيلها، وإدارتها.
وعلى مستوى العالم، أصبحت الأعمال التجارية أكثر اعتمادًا على التقنية، مما أدى إلى زيادة الطلب على الموظفين الملمين بها، ورفع مستوى التوقعات، فقد بدأت الشركات في الوقت الحالي الاستثمار في برامج التدريب والتقنية، لتأهيل موظفيها بالمهارات اللازمة لتشغيل الأعمال التجارية الحديثة. وتعني هذه الرقمنة المستمرة أن فرص أصحاب المهارات اليدوية أصبحت شحيحة. وقد أًبحت هذه الظاهرة ماثلة بوضوح عندما حدثت الإغلاقات في عام 2020، بسبب جائحة كورونا حيث وجد هؤلاء العمال أنفسهم في أوضاع صعبة للغاية.
إن حجم التحول إلى التقنيات الرقمية يشبه التحول من الزراعة إلى الصناعة، الذي حدث في بداية القرن العشرين. فقد شهدت تلك الحقبة تحولًا رئيسيًا في السلوك، والمهارات، والفرص، لكل من العمال والشركات. وعلى عكس ذلك التغيير، فإن الثورة الرقمية الجديدة تحدث بوتيرة أسرع، ومنحنى التغيير منها أشد انحدارًا. فقد حدث التحول في القوى العاملة في النموذج الأول على مدى سنوات عديدة، إن لم يكن عقودًا، مما أتاح الانتقال بسلاسة أكبر إلى قوى عاملة أكثر مهارة، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للشركات لإعداد بيئاتها بصورة أفضل لمثل هذه التغييرات. أما في الوقت الحالي، فإن إعادة صقل المهارات بسرعة هو تحدٍ تواجهه جميع القطاعات، خصوصًا في ضوء وجود الملايين من العمال الذي هم في منتصف العمر، والذين يحتاجون إلى إعادة صقل مهاراتهم بسرعة.
لقد استغرقت منظمة العمل الدولية وقتًا طويلًا للنظر في هذا الأمر، وأشارت إلى أن التحدي الماثل في تضييق فجوة المهارات هو تحدّكبير، ولا تستطيع الشركات أن تتعامل معه وحدها. بل يجب وضع إطار عمل لإعادة التدريب على المستوى الوطني؛ لتطوير مرافق إعادة تدريب قوية، لتقليل الفجوة في المهارات الرقمية.
المطلوب الآن هو نهج متعدد الجوانب، وشراكة قوية بين القطاعين العام والخاص، من أجل معالجة هذا الأمر بفعالية. ويجب أن يكون للحكومات دور قيادي، ويجب عليها تطوير بنية تحتية صلبة داخل الدول للاقتصاد الرقمي، حتى يتسنى للناس الوصول إلى مصادر المعرفة. كما يجب وضع مناهج وخطط تدريب حديثة، بالتوافق مع القطاع الخاص، حتى يمكن تأهيل أفراد موهوبين، ووضع سياسات وأطر عمل تؤدي إلى تنمية المهارات الرقمية. كما يجب وضع برامج توعية فعالة، حتى يتمكن الناس من الحصول بسهولة على التدريب، الذي يجب أن يكون على أعلى مستوى، وتعتمده هيئات التدريب المعنية.
لا بد أن يحدث هذا بالتوافق مع القطاع الخاص، وعلى وجه الخصوص مع شركات التقنية، وذلك لتحديد المهارات المطلوبة في الوقت الحالي، أو في المستقبل القريب. ومن المهم إعادة تدريب الناس وتأهيلهم بالمهارات المطلوبة في السوق على كل حال، بغض النظر عن أعمارهم، أو جنسهم، أو إعاقتهم، أو عرقهم، ضمن إطار عمل متماسك وشفاف، يضمن المساواة.
أما بالنسبة لجيل الشباب، فأقترح أن يكون مثل هذا التدريب ضمن التعليم في المدارس، بحيث نعد شبابنا بالمهارات الرقمية والشهادات من البداية، إلى جانب تلقيهم التعليم الأكاديمي، بحيث نتفادى مثل هذه المشكلات في المستقبل. كما أننا بحاجة إلى تعزيز التعلم وتطوير المهارات مدى الحياة في جميع مستويات التسلسل الهرمي لنظامنا التعليمي، من الروضة إلى الجامعة.
وأعتقد أنه من غير المقبول أن نسمع أنه لا يزال العديد من شبابنا يفتقر إلى المهارات اللازمة للعمل في الاقتصاد الرقمي، حتى بعد الحصول على الدرجات العلمية. فهذه مشكلة لا بد أن نقتلعها من جذورها، وإلا سنكون بذلك نعد أجيالنا المستقبلية للفشل، واستبعادهم من الفرص العديدة المتاحة لإدماج كفاءاتهم في الاقتصاد الرقمي.
وكجرس إنذار لنا جميعًا، فإن احتياطيات هذه المنطقة من النفط لن تبقى إلى أمد بعيد، بل ستنضب بحلول العام 2050. لذا، يجب أن نستخدم الموارد التي لدينا لنصبح قياديين في مجال التقنية الرقمية، ولن يحدث ذلك إلا إذا كنا جادين في إحداث التغيير المطلوب.
إن السبيل الوحيد لبناء اقتصاداتنا بحيث تكون قادرة على تحمل الأزمات المستقبلية، هو عبر بناء القدرات الرقمية، وأن تصبح منارات للابتكار والتميز التقني.