الثورة القادمة تكنولوجية... يقودها الذكاء الاصطناعي
طلال أبوغزاله
أصبح العالـم حالياً علـى اعتـاب ثـورة تكنولوجية ورقمية سيتغير بها شـكل البشـرية ووجهتها، سيكون الــذكاء الاصطناعي هو المحرك الأساسي لها، وهي حقيقة أصبحت واقعاً لا يمكن الفرار منه، ثــورة شــاملة علــى كافة الأصعدة، (أمنياً، واقتصادياً واجتماعيا وغيرها... ). أن التوجه لبناء القدرات سيكون له الأثر الأكبر والأهمية الحيوية القصوى لاستمرارية اقتصاداتنا إذا أردناها أن تتنامى بشكل أسرع. لم يعد في تاريخ البشرية حالياً ابتكارا تكنولوجيا أهم من الذكاء الاصطناعي، إن إعداد الأجيال الجديدة وتوجيهها لهذه التقنية، سينعكس إيجابياً في نهضة الاقتصاد العالمي والتي بدأت أثاره تظهر جليةً وبتواتر سريع يجب مجاراته، ولا يمكننا أغفال عقولنا وإغلاق أعيننا عنه.
ولا شك، أن حائجة كوفيد-19 ساهمت وأثرت بانتشار ثورة الذكاء الاصطناعي بشكل أوسع، وإن ما شهده العالم مؤخراً من تمّكن الشركات العالمية من تحليل الانتشار الوبائي للفيروس، ومعالجة البيانات، وكذلك نمذجة وتطوير اللقاحات ومحاكاتها في وقت قياسي؛ كان استخدام التقنية القائمة على الذكاء الاصطناعي سبباً رئيسا بها. اثبت التأثير التكنولوجي المتسارع والقائم على الأدوات الرقمية أن تطبيقــات الــذكاء الاصطناعي تتزايــد بتسارع متواتر؛ لتدخل فـي جميع المجالات الإنسانية والتي يصعـب تعدادها.  وحتـى هذه اللحظـة، هناك صعوبة في وضـع إطار أو تقييـم موضوعـي لتداعيــات هــذه التطبيقــات الرقمية، بسبب اختلاف تداعياتها وانقسام استخداماتها ما بين "استخدامات مدنية وعسكرية في نفس الوقت"، يتم توظيفها لأغراض مختلفة بما يخدم المصلحة الموجهة والمرجوة منها. 
دعوني أحدثكم عن العملاق الصيني العظيم، كنموذج أحسنَ استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأبدع في توجيه العالم لهذه التطبيقات والتقنيات. لقد جعلت الصين الذكاء الاصطناعي جزءًا إجباريًا من استراتيجيتها الحالية والمستقبلية في مجال التعليم، لتضع نفسها في مقدمة دول العالم بحلول 2030 في الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي والاستغلال الأمثل له. إن ما تبذره الصين حالياً من بذور في تعليم الذكاء الاصطناعي، ستحصد ثماره في المستقبل القريب جدا، فلماذا لا نحذو حذوها ونجعل لنا موطئ قدم في الاقتصاد الرقمي المتنامي والمتسارع ونحن بأشد الحاجة لذلك. وبحسب ما نُشر في مجلة فوربس مؤخراً عن "إن الذكاء الاصطناعي سيضيف ما يقارب 15 تريليون دولار أمريكي إلى الاقتصاد العالمي بحلول 2030." والمتتبع للناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعرف جيداً أن هذا الرقم أكبر بأربعة أضعاف من عام 2020، والذي بلغ 3 تريليونات دولار فقط. إن قيادة الاقتصادات القائمة على الذكاء الاصطناعي في المستقبل تتوجب توجيه الشباب اليافع وإرشادهم بالاستثمار في هذا النوع من التعليم، لكي يتسلحوا بالمهارات الرقمية والتكنولوجية اللازمة للمساعدة في النمو الاقتصادي.
كان لي شرف التحدث في فعاليات دولية كثيره حول تقنية الذكاء الاصطناعي، وكان من أكثر الأسئلة التي طرحت عليّ وقتها: " هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل البشر ويأخذ وظائفهم؟"
ولكني كنت دوماً أرى وأكشف عن سيناريوهات ومشاهد مختلفًة نوعاً ما. لأنني على يقين أن الذكاء الاصطناعي سيكون له دوراً بارزاً في تحرير الأيدي العاملة ليقوموا بتأدية مهامهم بطريقة أفضل وتصبح ذات قيمة أكبر وأكثر فهماً ودقةً مستعينين بأنظمة الذكاء الاصطناعي. ويشير "تقرير وظائف المستقبل لعام 2020"، الذي نشر من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي، أن 85 مليون وظيفة قد يتم استبدالها بسبب حلول الآلات وتقاسمها للعمل مع البشر بحلول عام 2025. وفي الوقت نفسه ستظهر97 مليون وظيفة جديدة، أكثر تكيفًا واتساقا مع التقسيم الجديد للعمل بين البشر والآلات والتطبيقات الرقمية الشاملة لأنظمة الذكاء الاصطناعي. وهذا يؤكد أن الذكاء الاصطناعي سيخلق الوظائف بدلًا من أن يساهم في فقدانها. ومع تزايد البيانات الضخمة الصادرة من أجهزة الاستشعار، والأنظمة، والاعتماد الشامل على إنترنت الأشياء، لن يكون هناك بديلاً لفهم هذا الكم الهائل من البيانات، من أجل المساعدة في اتخاذ القرار، سوى استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي. 
أرى أيضاً بصفتي مدققاً للحسابات، وهو المجال الاساسي الذي أنشأت علية "مجموعة طلال أبو غزاله العالمية"، أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في بصورة رئيسية وسيحدث ثورة في مهنة تدقيق الحسابات وسيجعل من الصعب اجراء عمليات تدقيق يدويه على الانظمة التي ستخرجها الأنظمة المؤسسية، لأنه ببساطة سيكون هناك كم كبير من البيانات لتحليلها وستقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بإجراء عمليات تدقيق حسابات مفصّلة كان من المستحيل إجراؤها، وسيكون لهذه المهنة فرعًا من فروع تقنية المعلومات، الأمر الذي سيؤدي الى حاجة مدققو الحسابات في المستقبل القريب والقريب جدًا إلى اكتساب مهارات في الذكاء الاصطناعي لإجراء عمليات التدقيق المحاسبية، وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها الشركات؛ لتقديم ضمانات بشأن دقتها وشفافيتها.
كنت وما زلت ادعو إلى إصلاح نظام التعليم عالميًا، وذكرت مراراً وتكراراً إن مناهج التعليم بحاجة لنقلة نوعيه في القرن الواحد العشرين؛ لتمكن الأفراد الشغوفين من الإلمام العمق بالمعرفة الرقمية واكتساب المهارات التكنولوجية ليصبحوا من المؤثرين في مجالات المعرفة الرقمية. ويأتي الذكاء الاصطناعي في طليعة المجالات التي لا بد أن يتعلمها الطلبة. أن اساس الاقتصادات العالمية المتقدمة في جميع أنحاء العالم هي استخدامها لتنقية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهي سبباً لوجود أكبر الشركات التي شهدها العالم على الإطلاق، مثل أبل وغوغل وأمازون. فلم يعد الاقتصاد العالمي مقيدًا بالحدود الجغرافية، ولا يمكن لأي شخص الولوج في عصر الصناعة الرابع إذا لم يكن من العاملين والشغوفين ولديه الحماس في الأكبر في مجال المعرفة.
الحقيقة بأن الفرص الرقمية متاحة للملمين بتقنية المعلومات هي واقع، ويجب علينا تحقيق اقصى استفادة من هذه الحقيقة، بالإضافة الى تأهيل "العاملين في مجال المعرفة" ليكونوا أكثر إلماماً بالذكاء الاصطناعي، تلبيةً لمتطلبات الاقتصاد الرقمي العالمي. من الواجب تعزيز بيئة تعليم الابتكار التقني والإبداع بشكل أكبر واوسع انتشاراً، وتمكين الأفراد وتسليحهم بالأدوات والقوانين لإنشاء نظام إيكولوجي، ليخرج جيلاً جديداً على شاكلة "زوكربيرغ" في المستقبل. سيتيح بناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي بناء أنظمة جديده ستساعدنا في إيجاد حلول جديدة للمشكلات التي يواجهها العالم والمتعلقة بتغير المناخ، ونقص المياه، وإنتاج الغذاء. وكما قال أفلاطون: "الحاجة أم الاختراع".
من أجل أجيالنا القادمة، ومن أجل مجاراة الثورة الرقمية المتفجرة، ومن أجل المستقبل الرقمي القادم، نسأل الخبراء، والمبتكرين، والمفكرين ونطلب منهم أن يتصرفوا بمسؤولية، وأن يتحلوا ببعد النظر والحكمة والتوجيه للاستثمار في تعليم الذكاء الاصطناعي، لأنه استثمار مثمر وبذوره سريعة الانتشار وسريعة النضوج، وعلى وشك أن يحدث ثورة تكنولوجية في العالم.