الفقر الرقمي: تحدٍ مستمر
لقد أثرت جائحة الكوفيد على الملايين على مستوى العالم، وشهدنا معها إقبالًا كبيرًا على استخدام التقنية لتمكين الموظفين من العمل عن بعد، وتمكين الأطفال من الاستمرار في تعليمهم، وتمكين العائلات من الترفيه في منازلهم عبر المنصات الإلكترونية. لذلك، تعد التقنية حبل النجاة للجميع لتحقيق مستوى لائقا من الحياة الطبيعة، فالأجهزة اللوحية والحواسب المحمولة والخدمات المقدمة عبر الإنترنت تشهد حاليًا استخدامًا غير مسبوق في العمل واللعب.
لقد دفعتنا عمليات الإغلاق وحظر التجول جميعًا إلى هذا الواقع الجديد، وأظهرت بسرعة الأثر السيء للفقر الرقمي على مجتمعاتنا. حتى الدول المتقدمة مثل المملكة المتحدة، تضررت بشدة، وكشفت الجائحة عن المدى الحقيقي للفقر الرقمي فيها. ففي ندوة عبر الإنترنت عقدتها مؤخرًا جمعية الحاسبات البريطانية، والمعهد المعتمد لتقنية المعلومات في المملكة المتحدة، شددا على أهمية الشمول الرقمي، وكشفا عن أن الفقر الرقمي يؤثر على نسبة كبيرة من سكان المملكة المتحدة، مع استبعاد ما يقرب من تسعة ملايين شخص رقميًا. يعد هذا رقمًا مذهلًا، ويظهر أن هناك الكثير الذي يجب عمله لتقليص هذه الفجوة، وهو ما كنت أدعو إليه طوال الثلاثين عامًا الماضية.
هناك أمر واضح، ألا وهو أن جميع التطمينات والبرامج والمبادرات التي وضعت لجسر الفجوة الرقمية في السنوات السابقة كانت عاجزة. فإذا كانت المملكة المتحدة في عام 2021، وهي خامس أغنى دولة على مستوى العالم، لديها سجل بهذا السوء، فكيف حال الدول النامية؟ إن هذه الظاهرة مرتبطة بوضوح بمستويات الدخل والتعليم، كما أن لها تجليات جغرافية. فهناك تفرقة واضحة بين المدن الحديثة المتطورة والمناطق الريفية الفقيرة. لقد اكتشفت جمعية الحاسب البريطانية أن هناك فجوة واضحة بين الشمال والجنوب في المملكة المتحدة، فالجنوب يعيش في ازدهار رقمي، بينما يتخلف الشمال بعيدًا عن الركب. ويتكرر الأمر في معظم الدول، حيث تمدد البنى التحتية في المدن الكبرى، بينما لا تحظى المناطق الريفية إلا بالقليل من الاهتمام.
بالنسبة إلي، من الواضح أن التعامل مع الفقر الرقمي يعتبر مشكلة تتطلب منا جميعًا العمل مع بعضنا البعض، فهي أكبر من أن تتولاها جهة واحدة وحدها. إنها مشكلة تؤثر على الأطفال والبالغين على حد سواء، ويمكن أن تكون لها عواقب وخيمة إذا لم تُعالج. فالفجوة بين "الأغنياء" و"الفقراء" آخذة في الاتساع. ويعد هذا مقلقًا على وجه الخصوص لأننا لم نصل إلى بر الأمان بعد. وسنشهد موجات جديدة من العدوى. فكما قلت من قبل، ستبقى هذه الجائحة حتى عام 2025، مما يعني أننا يجب أن نتعلم التعايش معها، وأن تكون لدينا الوسائل التقنية لنتابع حياتنا، وهو حق أصيل لكل إنسان على وجه الأرض.
أنا أخشى أن عدم التحرك سيتسبب في ضرر بالغ لجيل بأكمله من أطفالنا. يجب علينا تنسيق الجهود، فهناك العديد من المبادرات التي تعمل منفردة للتعامل مع هذا الموضوع وفق أجندات وأهداف خاصة بها. وأنا أدعو أصحاب تلك المبادرات لتوحيد الجهود والعمل معًا. كما ينبغي على قادتنا تولي هذه المسؤولية بالجدية التي تستحقها، وضمان وصول رسالة الكفاءة الرقمية عبر جميع مستويات المجتمع، واتخاذ الإجراءات العملية لصنع فارق حقيقي عبر أهداف طموحة. وأقصد بالفارق هنا أن يكون التحسن الملموس في القدرة التقنية للمواطنين العاديين في جميع أنحاء البلاد واضحًا. كما يجب وضع خطة متماسكة لكل دولة تبعًا لاحتياجاتها المختلفة، وأن تكون عواملها الرئيسية الشفافية والاستدامة طويلة الأجل. فلم يعد بإمكاننا تحمل الانخراط في مشاريع متسرعة.
أرى أن مثل هذه الخطط يجب أن تتكون من أربعة أجزاء. أولًا، التعامل مع موضوع الحصول على معدات الحاسب، سواء كانت الحواسب المحمولة أو المكتبية أو غيرها. ثانيًا، ضمان توافر سرعة إنترنت مناسبة للجميع وبسعر معقول. ثالثًا، وضع برنامج تدريب شامل للبالغين والأطفال لإكسابهم مهارات الاستخدام الفعّال لتقنية الحاسب والوصول إلى موارد الإنترنت بطريقة آمنة. وأخيرًا، يجب أن تكون هناك حوكمة وامتثال وإدارة للمخاطر ملائمة، لتوفير بيئة آمنة للعمل على الإنترنت للجميع.
كما يجب على الحكومات أن يكون لديها مهنيين مهرة في تقنية المعلومات ضمن طواقم عملها، وذلك للمساعدة في وضع مثل تلك الخطط الوطنية وقيادتها، وأن تنفذها مع جميع القطاعات وعبرها، بمشاركة القطاع الخاص، على أن يشمل ذلك الجمع بين المبادرات الحالية والجمعيات الخيرية المتحمسة لمعالجة موضوع الفقر الرقمي، لتعزيز جهود تحقيق تغيير حقيقي. وكذلك الاشتراك مع الخبراء في القطاع الخاص، الذين يملكون خبرات طويلة يمكن الاستفادة منها.
يجب وضع منهجية شاملة بعيدة المدى، تتضمن مبادئ تقنية المعلومات الصديقة للبيئة، وكذلك الاستدامة. ويجب أن نستخلص العبر والدروس من تجاربنا، وأن نكون أكثر استعدادًا، فما هي إلا مسألة وقت حتى نتعرض لأزمة جديدة.