بالثّقة والارتقاء.. نسيرُ إلى السَّيطرة والنُّفوذ
تتزايد صور التوترات بين العملاقين الأمريكي والصّيني. فما المصير المرتقب لما يجري؟
لقد صرّحتُ في أكثر من مناسبة أن العملاقين يتنافسان على الدوام في بسط نفوذهما التّجاريّ على العالم. وقد اختلفت سياستهما في ذلك؛ فأمريكا صرفت المليارات؛ من أجل بسط نفوذها العسكريّ حول منافذ آبار النفط، ممهّدة الطّريق إلى بسط نفوذها التّجاريّ. في حين رسمت الصّين لنفسها طريقًا هو مبادرة مشروع "الحزام والطّريق" لاستعادة ما عُرف في تاريخها القديم بـ "طريق الحرير" الذي كانت تسيطر عليه؛ وهادفة إلى بسط نفوذها التجاريّ على منافذ التّجارة العالميّة.
ولم تقف أمريكا متفرجة! بل أطلق الرّئيس الأمريكي (جو بايدن) بالتعاون مع رئيس الوزراء البريطاني (بوريس جونسون) مبادرة منافِسة لمشروع "الحزام والطريق" الصّيني. في إشارة إلى أمرين سيجذبان البساط إلى مشروعهما، وهما معاقبة (بكين) على ما وصفاه بانتهاكات حقوق الإنسان في (شينجيانج)، ومساعدة الدّول الدّيمقراطية للفئات الفقيرة من العالم!
ولكن، هل ستسمح الصّين لأحد أن يتدخّل بما يجري في (شينيجانج)؟
لا، كما أنها فرضت عقوبات مماثلة على تسعة بريطانيين، وبعض كيانات، اتهمتها بنشر الأكاذيب والأضاليل حول (شينجيانج).
إن الأسلوبين "الأمريكي والصيني" متشابهان، مع اختلاف في الآلية. ولعلّ انقسام العالم إلى "غنيّ وفقير"، يُلغي الدّيمقراطيّة، ويبقي الفجوة بين الدّول، ويكشف أسلوب "دعوى المساعدات" بأن غرضه هو "وضع الأقدام"؛ فما تقدّمه الدّول الغنيّة للدّول الفقيرة، من قروضٍ، أو ما تطلقه من مشاريع مثل تشييد طرق، أو بناء سكك حديديّة، أو إعمار سدود أو موانئ أو مطارات. أو غير ذلك هو زعم لتمثّلها بصورة "عالم مفتوح آمن" كما سمّاه الرّئيس الصّيني (شي جين بينج). ولكنه ليس كذلك! فكما ستستفيد الدّول الفقيرة ستستفيد أيضًا الدّول الغنيّة من خلال زيادة الإنتاجية وتشغيل خطوط مصانعها وأفرادها وشركاتها.
وختامًا. فإن لبّ الصّراع بين العملاقين هو في القادم من "السيطرة الرقمية" المتمثلة بابتكارات أشياء "الذّكاء الاصطناعيّ"، وليس في المنافسة على ترسيم خطٍّ لطريق حرير جديد فقط! فقد لا يكفي التّفوّق الاقتصادي لفرض التفوّق التكنولوجيّ، مع انحياز "الصين" لنفسها باختراعها لـ (إنترنت) خاصّ بها؛ واستقلالها بمحركات رقميّة عن العالم ليصدق الوصف على عالمية العصر الجديد بأنّها "عالميّة إلا من الصّين"! 
فنأمل أن تلبّي صياغة قوانين العالم الجديدة طموحات العملاقين، وأن نتجاوز أزمة "القطبين الحاكمين" خصوصًا ونحن نعيش في زمن مختلف عمّا عشناه زمن الحرب الباردة بين "روسيا" و"أمريكا"؛ أي أننا في زمن "العصر الرّقميّ” اذ تزال الفوارق بين الدّول، والمجتمعات؛ من خلال تبادل المعارف، والبيانات، والمعلومات بين أهل الأرض جميعهم، مما سيؤهّل الضّعيف، لكي يصير قويًّا، ولن يكون ذلك إلا بالإرادة والثّقة والرّغبة في الارتقاء إلى مصافّ العالميّة.
ومن الصعب إقناع طرف بالتّنازل لحساب طرف. فمن سيتغلّب في النّهاية هو مَن سيرتقي أداؤه، ويثق بمصادره، وإمكانياته، وينظّم مدخلاته ويَعرف كيف يوظّف مخرجاته.
وكما كتب الأمريكان على دولارهم "بالله نثق" فعليهم ترجمة ذلك في تعاملهم مع مشكلة الصّين، وطريق حريرها الجديد.