في زمن يتسارع فيه الضجيج الإعلامي الذي يرافق الحروب والأزمات الدولية، وفي الوقت الذي ينشغل فيه معظم المحللين بمتابعة نتائج المعارك اليومية وحسابات الربح والخسارة العسكرية والاقتصادية، يذهب عدد محدود من المفكرين إلى فهم ما يجري ضمن سياق تاريخي أعمق، ومن بين هؤلاء يبرز المفكر العربي الدكتور طلال أبوغزاله الذي يقدم، من خلال ملاحظاته الخامسة حول تطورات الحرب في مرحلتها الراهنة، قراءة مختلفة تتجاوز الحدث الآني لتلامس التحولات العميقة في بنية النظام الدولي.

وتكشف الملاحظات عن إدراك استثنائي لطبيعة الصراع العالمي القائم، إذ لا ينظر إلى المواجهة الدائرة مع الجمهورية الإيرانية باعتبارها حدثاً منفصلاً أو أزمة إقليمية عابرة، وإنما كحلقة ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية، وصولاً إلى ما يصفه أبوغزاله بـ”معركة الحسم” حول تايوان.

ومن خلال متابعتي لتلك الملاحظات أقول إن الأدبيات السياسية التقليدية اعتادت النظر إلى الحروب من زاوية القوة العسكرية فقط، باعتبارها العامل الحاسم في تقرير مصير الصراعات بين الدول، إلا أن المفكر العربي أبوغزاله ينطلق من فرضية مختلفة مفادها أن الانتصار العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى، فالجيوش قد تنتصر في الميدان، لكنها قد تعجز عن إنهاء الأفكار أو تصفية القضايا أو فرض نتائج سياسية دائمة على الطرف الآخر.

ويعيد هذا الطرح إلى الأذهان مقولة الفيلسوف الفرنسي الراحل فيكتور هوجو بأن “الفكرة التي حان وقتها لا تستطيع الجيوش هزيمتها”. وهي مقولة لا يستحضرها أبوغزاله بوصفها حكمة أدبية فقط، بل باعتبارها قاعدة لفهم طبيعة الصراعات الحديثة التي أصبحت الأفكار فيها جزءًا من عناصر القوة الاستراتيجية.

ومن هنا تأتي المقارنة التي يطرحها بين ما يحدث في إيران من جهة وما جرى في قطاع غزة من جهة آخرى. ففي الحالتين، يمكن للقوة العسكرية أن تحقق تفوقًا واضحًا، لكنها لا تستطيع بالضرورة إنهاء القضية التي تقف وراء الصراع، فالقضايا الكبرى، كما يرى، لا تُقاس فقط بموازين السلاح، بل بقدرتها على البقاء والتجدد والاستمرار.

ولعل النقطة الأكثر أهمية في هذه القراءة التحليلة تكمن في نقل مركز الثقل من الشرق الأوسط إلى منطقة شرق آسيا، فبينما يعتقد كثيرون أن المواجهة مع إيران تمثل محور الأحداث العالمية في الوقت الحالي، يرى أبوغزاله أن الأنظار الحقيقية يجب أن تتجه نحو تايوان، حيث تتجمع عناصر الصراع الأكبر بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

قراءة أبوغزاله وانا متتبع لكافة تحليلاته تنطلق من فهم عميق لطبيعة التنافس الدولي المعاصر، فالصراع بين واشنطن وبكين ليس صراعًا أيديولوجيًا كما كان الحال خلال الحرب الباردة، بل هو صراع على قيادة الاقتصاد والتكنولوجيا والمعرفة وسلاسل الإمداد في العالم. ولذلك فإن تايوان لا تُختزل في مساحتها الجغرافية أو عدد سكانها، بل في موقعها داخل معادلة السيطرة على صناعات التكنولوجية المتقدمة التي أصبحت تمثل عصب الاقتصاد العالمي.

ومن هذا المنظور، تتحول إيران والشرق الأوسط وأوروبا إلى ساحات تمهيدية ضمن صراع أكبر لم يصل بعد إلى مرحلته الحاسمة، فالحرب الروسية الاوكرانية، والتوترات المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط، والمواجهات الاقتصادية المتصاعدة بين القوى الكبرى، ليست سوى مظاهر متعددة لمعركة واحدة تدور حول شكل النظام الدولي الجديد.

وما يلفت الانتباه بصورة واضحة في تحليل أبوغزاله هو تركيزه على العامل الاقتصادي بوصفه المحدد الرئيسي للهيمنة العالمية. فالعالم الذي نعيش فيه اليوم لم يعد عالم الجيوش وحدها، بل عالم الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والأمن السيبراني، وفي مثل هذا العالم، تصبح القدرة على التحكم بالتدفقات الاقتصادية العالمية أكثر أهمية من السيطرة على الأراضي.

ولهذا يرى المفكر العربي أن المواجهة الدائرة حاليا مع إيران أقرب إلى حرب استنزاف اقتصادية منها إلى حرب حسم عسكري. فكل طرف يدرك حدود القوة العسكرية وحدود نتائجها، ويسعى في الوقت نفسه إلى تحميل الطرف الآخر أكبر قدر ممكن من الكلفة الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

إن ما يميز هذه القراءة التحليلية ليس فقط قدرتها على الربط بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي، بل أيضاً استشرافها المبكر لمركز الثقل الحقيقي في الصراع العالمي، فبينما تنشغل الأنظار بالتطورات اليومية في الشرق الأوسط، تلفت هذه القراءة الانتباه إلى أن المعركة الأكثر تأثيراً في مستقبل العالم قد تكون تلك التي لم تبدأ بعد بصورة مباشرة، وهي معركة تايوان بما تمثله من أهمية استراتيجية واقتصادية وتكنولوجية في التنافس الأمريكي الصيني.

إحسان التميمي