البرمجة التفاعلية المسماة بالذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد تقنية جديدة تضاف إلى قائمة الاختراعات البشرية، بل مرآة ضخمة تعكس حصيلة المعرفة الإنسانية التي تتطور تفاعلا باستمرار، فهو يقرأ ملايين الكتب والوثائق والدراسات والسير والتجارب، ثم يحاول أن يستخلص الأنماط المشتركة بين الأشخاص والأفكار والأحداث. لكن المثير أن هذه الخوارزميات التي بُنيت على المقارنة والقياس والتصنيف تقف أحيانًا أمام شخصيات يصعب وضعها في قالب جاهز أو اختصارها في تعريف واحد.
ومن بين هذه النماذج تبرز تجربة الدكتور طلال أبوغزاله فالرجل الذي خرج طفلاً لاجئًا من يافا مع أسرته لم يصنع مسيرته داخل حدود مهنة واحدة، ولم يتحرك في مسار تقليدي يمكن تتبعه بسهولة فقد بدأ محاسبًا اتخذ من مقعد مركبته مكتبا في الكويت ثم أصبح رائدًا في الملكية الفكرية، ثم انتقل إلى التعليم والمعرفة والاقتصاد الرقمي وتقنية المعلومات والعمل الدولي، حتى بدت تجربته أقرب إلى مشروع متكامل منها إلى سيرة مهنية عادية.
وإذا كانت الآلات اليوم تتعلم من البيانات، فإن أبوغزاله أمضى عقودًا يتعلم من التجربة ذاتها كان يقرأ التحولات قبل أن تقع ويتحدث عن اقتصاد المعرفة في زمن كانت فيه الثروة تقاس بالمصانع والموارد الطبيعية، ويتنبأ بصعود البرمجة التفاعلية "الذكاء الاصطناعي"، عندما كان كثيرون ما يزالون ينظرون إلى الحاسوب بوصفه آلة مكتبية أو نسخة متطورة من الطابعة لا أكثر.
 لهذا لا تبدو المقارنة بين أبو غزاله وبين الذكاء الاصطناعي مقارنة تقنية بقدر ما هي مقارنة في طريقة التفكير، فالذكاء الاصطناعي يقوم على جمع المعرفة وتحليلها واستخراج الأنماط منها أما أبوغزاله فبنى حياته على ممارسة مشابهة، ولكن بأدوات الإنسان وحدسه وخبرته ورؤيته، فكان يحلل ويتوقع ويخطط ثم يتحرك قبل أن تتشكل الصورة كاملة أمام الآخرين.
ولعل ما يلفت النظر في تجربته أن المعرفة لم تكن عنده غاية مستقلة، بل وسيلة لإنتاج أثر ملموس لذلك لم يتوقف عند التنظير للمستقبل، وإنما سعى إلى بناء مؤسسات ومبادرات ومشروعات تعليمية وتقنية تحاول أن تجعل العالم العربي جزءًا من هذا المستقبل.
 ومن هنا تبدو التجربة رائدة وفريدة فالنجاح في مجال واحد يمكن تفسيره بالموهبة أو الاجتهاد أو الظروف أما القدرة على الانتقال بين مجالات متعددة مع الاحتفاظ بالخيط الفكري نفسه فهي أمر أقل حدوثا وهذا ما يجعل من الصعب العثور على نموذج مطابق لها مهما اتسعت قواعد البيانات أو تنوعت السير الذاتية.
ولا تكمن أهمية طلال أبوغزاله في عدد المؤسسات التي أسسها ولا في المناصب التي شغلها ولا في الجوائز التي حصل عليها فالأهم من ذلك أنه قدم مثالًا عربيًا على أن المعرفة يمكن أن تتحول إلى مشروع حياة كامل، وأن الإنسان قادر على أن يسبق عصره عندما يمتلك رؤية أبعد من حدود اللحظة وربما لهذا السبب تبدو بعض التجارب الإنسانية أكبر من أن تختصرها الخوارزميات، فالمعرفة يمكن أن تُجمع، والبيانات يمكن أن تُحلل، أما القدرة على تحويل الفكرة إلى أثر مستمر في الناس والمؤسسات والأجيال فتظل، حتى الآن على الأقل، واحدة من أكثر الخصائص إنسانية.

إحسان التميمي