لماذا يحتاج
العالم إلى ميثاق متعدد الأطراف للذكاء الاصطناعي، ولماذا لا يملك العالم العربي
ترف الانتظار
طلال أبوغزاله
أبريل 2026
أعترف، وأُصرّ على الاعتراف، بأن الذكاء الاصطناعي
يؤدي دوراً نافعاً حقيقياً في العالم. يستخدمه العلماء لتسريع اكتشاف الأدوية.
ويبني به باحثو المناخ نماذج تنبؤية أكثر دقة. ويصل من خلاله معلمون ومزارعون في
مجتمعات محرومة إلى أدوات كانت بعيدة عن متناولهم. هذه الإنجازات تستحق الاعتراف،
لا كموازنة للنقد، بل كدليل على قدرة هذه التكنولوجيا لو قاد تطويرَها اتساعُ
احتياجات البشرية.
السؤال الذي أطرحه ليس هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن
ينتج فوائد، فهو يستطيع ذلك بوضوح. السؤال هو: من يسيطر على تلك الفوائد؟ ومن يحدد
الشروط التي تتدفق بموجبها؟ ومن هو المُقصى هيكلياً منها؟ حين تمتلك حفنة من
الشركات البنية التحتية للتقدم، يرتبط كل إنجاز للذكاء الاصطناعي بمنصاتها
واتفاقياتها ومصالحها الاستراتيجية.
«كان
الإنترنت يُقدَّم يوماً باعتباره أداةً للمساواة، ثم أصبح منظومة تهيمن عليها منصات
الإعلانات التي تُشكّل اليوم الرأي العام ونتائج الانتخابات»
المخاطر التي أصفها ليست نظرية. فالتضليل الواسع
النطاق، والجرائم الإلكترونية بمساعدة الذكاء الاصطناعي، والتلاعب الاجتماعي،
والاضطرابات الاقتصادية حاضرة بالفعل في العالم. وهذه المخاطر تزداد حدةً ولا تخفّ
حين تتركز سلطة اتخاذ القرار، لأن المنظومات المركزية تضمن قيم وأولويات مجموعة
صغيرة في أنظمة تمس الجميع.
خلال سنوات قيادتي لاتفاقية الأمم المتحدة العالمية،
طرحتُ باستمرار أن حوكمة التكنولوجيا التحويلية لا ينبغي أن تُترك لقوى السوق
وحدها. فالأسواق محركات كفؤة للنمو، لكنها ليست مجهزة لاتخاذ قرارات تمس السيادة
والعدالة والمصلحة المشتركة للبشرية. حوكمة الذكاء الاصطناعي تستلزم ما استلزمته
حوكمة التكنولوجيا النووية: أطراً دولية ملزمة، والتزامات بالشفافية، وآليات تمنح
الدول الأكثر تأثراً صوتاً حقيقياً.
أتحدث بإلحاح خاص نيابةً عن العالم العربي وعن مجتمع
الدول النامية الأوسع. إذا سيطر عدد محدود من الفاعلين على البنية التحتية للذكاء
الاصطناعي قبل أن تترسخ أطر الحوكمة، فلن تكون النتيجة فرصاً متكافئة، بل ستكون
شكلاً جديداً من التبعية الرقمية، تكون فيه الدول مضطرةً إلى الوصول إلى الذكاء
ذاته عبر منظومات لا تتحكم بها، وبشروط لم تتفاوض عليها. هذا هو مسار اللحظة
الراهنة، وسيصبح واقعاً لا رجعة فيه ما لم يُقطع عمداً.
«القدرة
على التفكير والتعلم وصنع القرار موردٌ إنساني مشترك، لا أصلٌ احتكاري»
المطلوب ليس رفضاً للذكاء الاصطناعي، بل رفضا للقبول
بأن تتركّز قوته في أيدٍ خاصة كأمر حتمي أو مقبول. العالم بحاجة إلى ميثاق متعدد
الأطراف وجديد للذكاء الاصطناعي، يُرسي معايير مشتركة للشفافية والمساءلة والوصول
المنصف، ويكفل للدول النامية أن تكون شريكةً في حوكمة منظومات الذكاء الاصطناعي،
لا مجرد مستهلكة لأنظمة صُمِّمت في مكان آخر.
الثورات التكنولوجية الأولى غيّرت ما تستطيع البشرية
إنتاجه. أما هذه الثورة فتغيّر كيف تفكر البشرية وكيف تتخذ قراراتها وكيف تحكم
نفسها. هذا تحول من مرتبة مختلفة تماماً، يستدعي استجابةً تتناسب مع حجمه، من المجتمع
الدولي بالجدية والإلحاح اللذين تستوجبهما هذه اللحظة.
"مستقبل
الذكاء لا ينبغي أن يُترك لمن يمتلكون البنية التحتية. إنه ملكٌ للجميع"