البنية التحتية
للذكاء تُبنى وتتمركز بسرعة لم يستوعب العالم بعد تداعياتها
طلال أبوغزاله
أبريل 2026
لسنا
فقط شهوداً على ثورة تكنولوجية. بل نشهد تشكّل تراتبية عالمية جديدة، لا تقوم على
الأرض أو النفط أو القوة العسكرية، بل على القدرة الحسابية، والسيطرة على
البيانات، وامتلاك الخوارزميات. لقد رصدتُ عبر عقود من عملي على تقاطع الأعمال
الدولية وتنمية المعرفة والحوكمة متعددة الأطراف تحولاتٍ كثيرة، لكنني لم أشهد قط
تركّزاً للقوة بهذه السرعة، وبهذا القدر الضئيل من المقاومة.
ما
يُبنى اليوم، خلف خطاب التقدم والازدهار الإنساني، هو شكل جديد من أشكال الهيمنة.
والعالم لم يبدأ بعد في استيعاب ما يعنيه ذلك.
«هذه ليست استثمارات شركات تبني منتجات. هذه استثمارات كيانات تبني
بنية تحتية»
حجم
الاستثمارات يجعل الأمر لا يقبل التجاهل. في فبراير 2026، أغلق OpenAI أكبر جولة
تمويل خاصة في التاريخ، جامعاً 110 مليارات دولار بتقييم بلغ 730 مليار دولار،
بدعم من أمازون ونفيديا وسوفت بنك. وأعلنت Nvidia عن مسار يتجه نحو تريليون دولار
من إيرادات مراكز البيانات في غضون سنوات قليلة، وهو رقم يتجاوز الناتج المحلي
الإجمالي لمعظم دول العالم.
لقد
أمضيتُ عقوداً في الدفاع عن ديمقراطية المعرفة وتمكين الدول التي ظلت تاريخياً
مقصيةً عن مراكز القوة العالمية. ما أراه يُبنى اليوم يسير في الاتجاه المعاكس
تماماً. فالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي باتت أكثر مركزيةً، وأشد كثافةً
رأسمالية، وأعمق تركزاً جغرافياً من أي منظومة تكنولوجية سبقتها.
لطالما
آمنتُ بميزة المبادرة الأولى، وحذّرتُ من أن المستقبل سيكون لمن يبني ويمتلك ويحكم
أدوات المعرفة. هذه الأدوات لم تعد اليوم مكتباتٍ أو جامعاتٍ أو حتى محركات بحث.
إنها شبكات شاسعة من مراكز البيانات، وأشباه موصلات متطورة، ونماذج احتكارية
تستلزم طاقةً ورأس مال لا يقدر على تعبئتهما إلا حفنة من الفاعلين.
الشركات
المتسابقة على بنائها تتحدث عن خدمة الإنسانية، لكنها تعمل ضمن منظومات اقتصادية
تكافئ الهيمنة والسرعة والسيطرة على السوق قبل كل شيء. حتى المنظمات التي كانت
تُقدّم نفسها يوماً حارسةً للتطوير المسؤول للذكاء الاصطناعي باتت تتراجع عن
معاييرها الخاصة خشية التخلف عن المنافسين. هذا ليس انتقاداً للأفراد، بل ملاحظة
للقوى الهيكلية التي تحكم قراراتها.
في
عالم قد تمنح فيه قدرة الذكاء الاصطناعي أول من يبلغها نفوذاً جيوسياسياً يضاهي
نفوذ الدول، لن تتباطأ شركة طوعاً، ولن يحثّ مستثمر على الحذر حين تكون
التريليونات في الميزان.