أسعى ومنذ أكثر من عام لحث الحكومة الأردنية على اتخاذ
قرار حاسم، وهو الانتقال إلى الاقتصاد المعرفي، واضعًا نصب عيني النموذج الفنلندي،
والذي أراه الأمثل لاقتداء بلدنا به.
وأعتقد أن التطلع للاقتصاد الأمريكي أو البريطاني على أنهما
دول صناعية عظمى ما هو إلا مضيعة للوقت، كون الأردن بلد صغير بسكانه، الذين لا
يتجاوز عددهم 9 ملايين، وعلينا أن ندرك أننا لسنا الصين ولا بريطانيا.
ولغايات المقارنة، أقول: إن فنلندا بستة ملايين من السكان، وبدون مصادر طبيعية كما الأردن، تحقق
دخلًا سنويًّا يتجاوز 230 مليار دولار، بينما لا يتجاوز الدخل القومي الإجمالي في
الأردن 40 مليار دولار، ولا يوجد أي مبرر في نظري لعدم تمكن الأردن من تحقيق دخل
قومي مساو لفنلندا، طالما أن الظروف وإمكانات البلدين متساوية، لكن ذلك يتطلب
إرادة سياسية وتخطيطا طويل الأجل نحو الاقتصاد المعرفي، كما فعلت فنلندا كبديل عن
المعالجة الآنية الظرفية.
ولأن فنلندا نجحت في خلق أدوات للاقتصاد المعرفي، فقد
أصبحت تحتل موقعًا قياديًّا في تحول التعليم نحو هذا الاتجاه عالميًّا، ولو قررنا
اتباع النموذج الفنلندي لاستغنينا عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي،ولما كان
لدينا عجز، ولما لجأنا للاقتراض، ولما تكوّن لدينا قلق من المظاهرات والبطالة، إن
اتباع هذا النموذج هو الطريق الأقصر للنجاح وللتغلب على جميع المشاكل، لهذا السبب
أنشأتُ ملتقى طلال أبوغزاله المعرفي، والذي حدد هدفه الرئيس وهو أن يحقق الأردن دخلًا
قوميًا إجماليًّا مقداره 280 مليار دولار بحدود العام 2040.
وهنا، فنحن لسنا حالمين بل جادون في التخطيط لمستقبل
قادر على تحقيق هذا الهدف.
لكن أحد أسباب المشاكل الاقتصادية التي نعاني منها هو
إقفال حدودنا مع سوريا والعراق، وتحول الأردن نتيجة لذلك لما يشبه السجن
الاقتصادي، ولذلك فلا مجال للاقتصاد أن يتعافى دون فتح الحدود.
إما إذا تعذر ذلك، فلا بد من التوجه للبديل الرقمي الذي
لا حدود له، ولكننا لم نفلح حتى الان بالإمساك بقوة الاقتصاد الرقمي.
لقد كانت إحدى المهمات الدولية الكبرى التي كلفت بها في
العام 2001 هي رئاسة مشتركة لفريق عمل UNICT، والذي كانت
مهمته بناء استراتيجيات غايتها التحول للاقتصاد الرقمي، وبعد ذلك ترأست الميثاق
العالمي في الأمم المتحدة من أجل التوجه لتقنية المعلومات.
لكن للأسف لم ينفذ الكثير من هذا التحول في الأردن، حيث
انشغلت حكوماتنا بحل المشاكل، بدلاً من بناء الاستراتيجيات الملائمة للمستقبل،
فالناس يتحدثون عن المشاكل، وليس عن تحول الاقتصاد.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن تقنية المعلومات هي أداة
فقط، بينما الاقتصاد الرقمي هو التنفيذ الذي يشمل كل مناحي حياتنا، وسيصبح الذكاء التقني
كذلك أكثر شيوعًا، وهو في الحقيقة تقنية شاملة على مستوى عالمي حاليًّا.
لقد أصبحت دائرة الملكية الفكرية في مؤسستنا رائدة على
مستوى العالم في حماية الملكية الفكرية؛ لأننا تمكنّا من إدراك قوة تقنية
المعلومات، وإذا أراد الأردن أن يتبوأ موقعاً قيادياً، فعلينا أن نعمل الشيء ذاته
على مستوى الوطن.
وما أود أن يعرفه العالم هو أننا ندرك ضرورة التغيير
اللازم من أجل جعل الأردن بلدا أفضل ، وأنا على قناعة بقدرتنا على إحداث هذا
التغيير، لكن كيف سيتمكن الأردن من التكيف مع الإطار العالمي الأوسع؟
لقد نشرت مؤخرا تنبيها بأننا مقبلون على أزمة اقتصادية عالمية في العام
2020 (حيث تجري انتخابات الرئاسة الأمريكية) وهناك حرب عالمية متوقعة، ولا حاجة
لخريج من جامعة هارفارد ليدرك أن الولايات المتحدة تركز اهتمامها، وبقلق، على
احتمال أن تصبح الصين القوة الرئيسة في العالم.
لقد تنبأ البعض بذلك منذ عام 1985، وفي ذلك الوقت شاركت
في ندوة في أكاديمية العلوم الوطنية في واشنطن، وناقشت خلالها موقع الولايات
المتحدة عام 2020، وتلخصت في ثلاث نتائج: الأولى أن تصبح الصين القوة الاقتصادية
المنافسة العظمى، والثانية أن احتلال الصين للقوة الاقتصادية العظمى سيجعلها قوة سياسية
عظمى. أما الثالثة فهي أن على أمريكا أن توقف هذا الاحتمال بأي ثمن. وفي اعتقادي
فالهدف من الحرب الأمريكية المصطنعة هو ليس احتلالًا أو غزوًا أو تدمير الصين، بل
لإرغامها للجلوس على مائدة المفاوضات في لقاء ثنائي مع أمريكا للاتفاق على نظام
عالمي جديد.
إننا بحاجة في الواقع إلى نظام عالمي جديد، وقيادة جديدة
غير موجودة بالوقت الحاضر، وأتوقع أن تتمخص هذه الحرب في النهاية عن (خطة
مارشال)جديدة لنهضة عالمية تضع منطقتنا في مركز اهتمام العالم، لحاجة هذه المنطقة
الماسة لإعادة البناء كونها في حالة دمار كبيرة، وكونها تمتلك الموارد المالية
التي تلبي حاجة الدول المعنية.
أما ما يؤخر إعمار سوريا فهو عدم الاتفاق على توزيع
منافع إعادة الإعمار، تمتلك الصين إمكانات هائلة، وما شاهدناه حتى الآن هو فقط رأس
كرة الجليد، وأتوقع أن نشهد عودة بريطانيا كقوة اقتصادية مساوية لروسيا والصين.
ولا بد من التذكير هنا أن سنتين أو ثلاث لا تعتبر من عمر
الدول بالشيء الكثير، وإذا تمت تسوية الأمور بين أمريكا والصين فسوف نشهد ظهور
إمكانات كبيرة لمنفعة بشرية، وثمة عامل مقلق آخر لعالمنا وهو التحول المناخي، لقد
كلفت في العام 1999 من قبل أمين عام الأمم المتحدة لصياغة وفرض معايير محاسبية على
الجميع، وكنت ذلك الوقت رئيسا ًلهيئة المعايير المحاسبية الدولية (ISAR) التي ضمت
مجموعة من الخبراء.
ولما انتهينا من صياغة التقرير، طلب منا أن نحفظه على
الرف لأن الولايات المتحدة لم توافق على تطبيق المعايير المحاسبية الموصى بها، لما
قد يسببه ذلك من أعباء مالية، وما يفرضه من تعويض عن أضرار تتكبدها الشركات
المعنية، أما الآن فقد أصبح الأمر خطيراً، حيث يتردد في الكونغرس أن خطرًا ما حقا
سيواجه العالم في غضون 12 عاماً.
لم يتغير المضمون الرئيس للتقرير، ولكن الذي أقترحه الآن
هو حل المشكلة عن طريق اللجوء للذكاء الاصطناعي. يوجد 8000 عالم ذكاء تقني في
أمريكا و6000 في روسيا، والحل في وضع فريق عمل من الجانبين، سيكون بإمكانهما، على
سبيل المثال، تحويل الملوثات إلى منتجات غير ملوثة من خلال الذكاء التقني في خلال
سنة واحدة، ولهذا فإنني أعمل على إنشاء شركة ذكاء تقني استشارية.