يعرف الذكاء التقني بقدرته الفائقة على الأداء المعرفي للوظائف التي يقوم بها الإنسان
بما في ذلك التعلم والتفكر والتحدث وأداء المهام الروتينية وحل المشكلات وممارسة
بعض السلوك البشري.
ويعد الذكاء التقني أحد مكونات التكنولوجيا الرئيسية للثورة الصناعية الرابعة،
ويقترن أداؤه بالتطورات الهائلة في القدرة الحاسوبية ومعالجة كم كبير من المعلومات
والتواصل السريع بالإنترنت من أي مكان والاستخدام الأمثل للخوارزميات المشابهة للعقل
البشري.
هذا وقد غدت أنظمة الذكاء التقني عنصرًا أساسيًا في العديد من الصناعات المبتكرة
مثل إنترنت الأشياء، المركبات ذاتية الحكم، والخدمات الالكترونية، ومعالجة البيانات
الكبيرة، والهندسة الوراثية والجينوم، والكشف عن الاحتيال، وبيع التجزئة والتشخيص
الطبي، والطباعة الثلاثية الأبعاد بالإضافة الى قدرتها على تحليل كميات هائلة من
المعلومات واستخدامها للتعلم واتخاذ القرار وذلك من خلال بناء علاقات المعلومات
وربط مجموعات البيانات الضخمة مع بعضها البعض بسرعة هائلة ومحاكاتها بطريقة يصعب
على الانسان استنتاجها.
وتقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي المبنية على الفرضيات والمفاهيم بمعالجة
مليارات البيانات التراكمية للسماح للمستخدمين بالوصول إلى استنتاجات أكثر استنارة
ودقة والمساهمة في إيجاد طرق يتم بها معالجة الأزمات والمواقف الحرجة مثل البحث
والإنقاذ في الكوارث الطبيعية واستخدام الروبوتات كخط دفاع أمامي ضد المخاطر. كما
ويعمل الذكاء الاصطناعي على تعزيز التحول الرقمي ولديه القدرة على تحسين براعة
الإنسان وتوسيع قدراته وتمكينه من مواجهة التحديات واغتنام الفرص وتحقيق المزيد من
الرفاهية في الكثير من مناحي الحياة وبطرق لا يمكن تصورها الآن.
وتشمل أنظمة الذكاء التقني: تعلم الآلة، وهو الأكثر شيوعًا، حيث يتم تغذية
البيانات واكتشاف الأنماط وفهم وتفسير المعلومات؛ الشبكات العصبية والتعلم العميق
والتي من خلالها يتم محاكاة الدماغ البشري وتمكين نماذج الذكاء الاصطناعي للتعلم؛ رؤية
الكمبيوتر، بحيث يعطي أجهزة الكمبيوتر القدرة على معالجة الصور وتحليلها وفهمها؛ لأن
الروبوتات الذكية، وهي مزيج من الذكاء التقني وآلة الروبوت تقوم بأداء المهام
المتقدمة والمعقدة، ومعالجة اللغة الطبيعية، والتي من خلالها يتم تفسير وفهم لغة
التحدث وتحويلها إلى نص مكتوب أو معاملته كأوامر؛ كما القياسات الحيوية، بحيث يتم تحليل
الخصائص البدنية والعاطفية واستخدامها في العديد من المهام مثل تحديد الهوية والوكلاء
الافتراضيون، حيث المحاكاة لشخصيات تتفاعل مع الزبائن والمستخدمين وتقوم على تقديم
المساعدة للوصول الى المعلومات.
ولتكنولوجيا الذكاء التقني أهمية كبيرة لدفع عجلة
التنمية والابتكار والمساهمة في تحقيق الأهداف الإنمائية المستدامة التي أطلقتها الأمم
المتحدة والتي تتركز حول تحسين التعليم وتوفير الخدمات الصحية والقضاء على الفقر وايجاد
فرص العمل وتعزيز الحاكمية واحتضان الابداع والمبادرة. وقد حققت بعض البلدان
النامية تقدمًا في التنمية الاقتصادية وتحسين الوضع الصحي والقضاء على الفقر وزيادة
التعليم وتطوير الانتاجية الزراعية ومحو الأمية وتأمين المصادر المائية وتحسين الصرف
الصحي، الا أن مستوى التنمية في الدول العربية متفاوت ويختلف فيما بينها وخاصة في المناطق
التي تشهد صراعات مستمرة ولا تتمتع باستقرار سياسي، حيث يعيش الملايين من سكانها تحت
خط الفقر ويعانون من شح في المياه وتدن في الخدمات الصحية بالإضافة الى عدم توفر
المأوى الملائم والبيئة التعليمية المناسبة. وبالتنسيق مع السياسات الوطنية والعربية
والجهود الإنمائية الدولية والقطاعات التقنية، ويمكن تعزيز استخدام تقنيات الذكاء التقني
وتطويرها للمساهمة في دفع عجلة تحقيق الأهداف الإنمائية المستدامة في المنطقة.
وفي ظل حاجة سوق العمل لخبرات فنية في آليات الذكاء
التقني، تعمل الدول المتقدمة على تبني تعليم الذكاء التقني في المراحل الدراسية
الأولى وذلك من أجل تمكين الأجيال القادمة للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي
وتأهيلها للإبداع والاختراع. وفيما يلي مقترح لمواضيع تعلم الذكاء التقني المتخصصة
التي يمكن دمجها في المراحل التعليمية:
١. المرحلة الأساسية: تحفيز الطلبة في مراحل
التعليم الأساسية على تعلم الرياضيات والعلوم والهندسة والبدء بتعليم مفاهيم
الذكاء التقني من خلال المرح والتعلم التفاعلي القائم على النشاط واكتساب أساسيات
الذكاء التقني والروبوتية بالإضافة إلى تعلم البرمجيات الحاسوبية وتطوير التطبيقات
وبناء أنظمة الذكاء التقني في منهج منظم ومتقدم.
٢. المرحلة الثانوية: تحفيز الطلبة في مراحل
التعليم الثانوية على تطبيق الأساسيات البرمجية ونظم الذكاء التقني في سيناريوهات عملية
حقيقية من خلال تطبيقات ومسابقات بالإضافة الى توفير برامج قائمة على المشاريع يتم
من خلالها تطوير التعلم الريادي والإبداعي وتنمية مهارات حل المشكلات والعمل
الجماعي.
٣. المرحلة الجامعية: تحفيز الطلبة في مراحل
التعليم الجامعي للتصميم والابتكار من خلال توجيههم الى استخدام تقنيات الذكاء التقني
وتطوير خبراتهم المتخصصة وإجراء الأبحاث المتميزة والمشاركة في المنتديات
والمؤتمرات؛ لتبادل الخبرات وعرض التجارب العملية في البرمجيات وتطبيقات الذكاء التقني.
ستستمر عملية التطوير التقني وستسهم في التنمية
المستدامة للأعمال المهنية والصناعية والخدمية، ويعد مستقبل الذكاء التقني مثيرًا
وواعدًا، مما يدعو إلى ضرورة إطلاق قطاع الأعمال المتخصص في الذكاء التقني للمساهمة
في التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي.