لا بد أن تكون أوروبا حذرة في كيفية
المضي قدمًا في علاقتها مع الولايات المتحدة، وأن لا تحدوها آمال زائفة بسبب
انتخاب إدارة بايدن الجديدة، التي تواجه تحديات عدة لتوحيد الفصائل المختلفة لناخبيها
المنقسمين.
إن أمريكا التي ورثها بايدن يجب فهمها
في ضوء التمرد الذي وقع في واشنطن، والتقدم الطفيف الذي حققه الديمقراطيون، حيث
سيطروا بالكاد على مجلس الشيوخ الأمريكي، في حين خسروا مقاعد في مجلس النواب. كما
يعتقد ثلاثة أرباع ناخبي ترامب أنه فاز في الانتخابات، ويعتقد 15% فقط من
الأمريكيين أن الديمقراطية الأمريكية تعمل جيدًا.
إن بايدن ملتزم ببناء العلاقات عبر
الأطلسي، ولكن لا بد أن يفهم الأوروبيون أن الشعب الأمريكي منقسم بشدة، وأن أية
مفاوضات بين أوروبا والولايات المتحدة يجب أن تهدف إلى توحيد الجانبين.
إن الأوروبيين منخرطون الآن في نقاش
طويل انقضى أوانه حول السيادة والاستقلال. ويجب عليهم تأكيد حضورهم، والضغط على
الولايات المتحدة لفعل ما يلائم مصالحهم الذاتية المتبادلة، ولكن في نفس الوقت عدم
خلق انقسامات عبر الأطلسي. هذا ما حدث في توقيع الاتفاقية الشاملة حول الاستثمار
بين الاتحاد الأوروبي والصين في 2020؛ لقد كان تأكيدًا مثيرًا على السيادة
الأوروبية، ولكن كان في نفس الوقت خطوة أولى سيئة التوقيت.
مع وصول إدارة بايدن الجديدة، يجب على
الأوروبيين أن يقودوا الجهود مع الولايات المتحدة، عن طريق دعم جهود العمل من أجل
المناخ، وتعافي الاقتصاد العالمي، وخلق إطار عمل أكثر تنظيمًا للاقتصاد الرقمي.
لقد لعب ترامب دورًا أساسيًا في إخراج الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ،
وسيلغي بايدن هذا القرار للوفاء بتعهده بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى
الصفر بحلول عام 2050. هذا وحده يتطلب تغييرًا داخليًا هائلًا.
لقد وعد بايدن أيضًا بتطبيق معايير
أعلى لكفاءة الوقود، والسيطرة على انبعاثات الميثان من التكسير أثناء التنقيب،
وإطلاق مبادرات أخرى تنظيمية لكبح ظاهرة الاحتباس الحراري. إلا إن المحاكم يمكنها
وقف الأوامر التنفيذية، وقد فعلت ذلك من قبل. كما تبدو المحكمة العليا المحافظة
مهيأة لتقليص السلطة التقديرية التنظيمية للسلطة التنفيذية.
على أوروبا أن تتبوأ دورًا قياديًا في
هذه العلاقة. فيجب أن تفرض تعديلًا على سعر حدود انبعاثات الكربون على المنتجات
المستوردة من الولايات المتحدة. هذا من شأنه أن يمنح إدارة بايدن بعض النفوذ الذي
يحتاجه بشدة مع منكري تغير المناخ في الداخل، الذين سيتعين عليهم عندئذ الاختيار
بين دفع ضريبة محلية على انبعاثات الكربون، أو الدفع لأوروبا.
منذ الأزمة المالية عام 2009، واجهت
الولايات المتحدة أبطأ تعافٍ اقتصادي في العصر الحديث، وهي بحاجة إلى المزيد من
الأموال لتحفيز اقتصادها. بالنسبة لبايدن، هذا يعني زيادة الضرائب على الشركات،
وزيادة ضريبة الدخل على الأغنياء، وهو أمر بلا شك سيواجه معارضة قوية.
ونظرًا لأن إدارة بايدن ستركز جهودها
على الإصلاح المالي الداخلي، فإن عبء إنعاش الاقتصاد العالمي سيقع على عاتق
الأوروبيين بصورة أكبر. وكان تمويل التعافي بقيمة 750 مليار يورو، الذي اعتمده
الاتحاد الأوروبي، خطوة أولى جيدة.
من الواضح أن الاقتصاد الرقمي هو
مستقبل السوق عبر الأطلسي، وهناك حاجة ماسة أن يبدأ الاتحاد الأوروبي التفاوض فورًا
على اتفاق جديد لخصوصية البيانات عبر الأطلسي، في ضوء إبطال محكمة العدل الأوروبية
لاتفاقية درع الخصوصية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. إن عدم وضع
اتفاقية مثل هذه حيز التنفيذ سيعيق بصورة خطيرة تدفق البيانات بين الاتحاد
الأوروبي والولايات المتحدة، وسيؤدي بدوره إلى التأثير سلبًا على الاقتصاد الرقمي.
لقد اقترح الاتحاد الأوروبي رقابة
أكثر صرامة على مزودي التكنولوجيا، ويجب أن يضغط لإجراء مراجعة أمريكية أوروبية
مشتركة لأعمال عمالقة التكنولوجيا، وممارساتهم، وسياسات المنافسة. لقد آن الأوان
لتشكل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حلفًا قويًا في هذا المجال الهام، بدلًا
من سلوك كل منهما سبيلًا تنظيميًا منفصلًا.
إن تنمية اقتصاد رقمي سليم يعني أيضًا
أن على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حل خلافاتهما المتعلقة بالضرائب
الرقمية؛ لضمان تطوير إطار عمل رقمي قوي، بحيث تدفع شركات التكنولوجيا نصيبها
العادل من الضرائب المستحقة عليها. وإذا استمرت واشنطن في التباطؤ في مفاوضات
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الجارية بشأن هذه القضية، فيتعين على الحكومات
الأوروبية فرض الضرائب الرقمية الخاصة بها. ربما تكون هذه هي الطريقة الوحيدة لفرض
نقاش أمريكي حول سداد الشركات الرقمية حصتها العادلة.
إن الولايات المتحدة بحاجة ماسة
لشراكة قوية، ولقد ولت الأيام التي كانت فيها أمريكا تقود وأوروبا تتبعها. يجب أن
تكون أوروبا شجاعة بما فيه الكفاية لتتقدم وتقود هذه الشراكة لمنفعة الطرفين.
بروس ستوكس هو المدير التنفيذي لفريق
العمل عبر الأطلسي التابع لصندوق مارشال الألماني معًا أم وحدنا؟ خيارات
واستراتيجيات العلاقات عبر الأطلسي لعام 2021 وما بعده.